جلال الدين السيوطي
94
الأشباه والنظائر في النحو
أيضا ، ولم يطلق النّحاة المفعول المطلق على غير ذلك ، وقد ذكرنا أنّ المفعول به شيء وقع عليه المفعول المطلق كما ذكره النّحاة وليس مفعولا ، وإذا نظرت إليه في قولك « ضربت زيدا » ونحوه ظهر ذلك ظهورا قويّا ؛ فإنّ زيدا ليست ذاته من فعل الضّارب . وهنا قسم آخر وهو قولنا : « خلق اللّه العالم » اختار ابن الحاجب في ( أماليه ) انتصاب العالم على المصدر بناء على أنّ الخلق هو المخلوق . وأكثر النحويّين لم ينظروا إلى ذلك وظاهر كلامهم أنّ الخلق غير المخلوق ، كما هو قول طائفة من الأصوليّين ؛ وعلى هذا فالعالم مفعول به ، وهو مفعول لأنّه الأثر الصادر عن الخلق ، وذات العالم موجودة بالفاعل ، بخلاف ذات المضروب ، والنحاة لا يسمّون هذا مفعولا مطلقا ، وإنّما يسمونه مفعولا به ، والخلق نفسه هو المفعول المطلق ، وكذلك في الأفعال العامة كقوله تعالى : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] فالضمير في عملت مفعول به وهو مفعول كالمخلوق ، ولم يذكر النحاة هذا النوع في المفاعيل ؛ والظاهر أنّ النحاة إنّما اقتصروا على ما ذكروه من المفاعيل لأنّ العالم وإن كانت ذاته موجودة بفعل اللّه تعالى ، فالخلق واقع به ، فاندرج تحت حدّهم المفعول به ، وإن زاد بأمر آخر ، وهو كون ذاته موجودة بفعل اللّه تعالى . ولم يتعرّض النحاة لهذا الزائد لأنه ليس من صناعتهم ، ولا حاجة لهم إلى ذكره ، لكن يلزم على هذا أن يكون لنا مفعول من غير تقييد ليس بمصدر ، وهم قد قالوا : إنّ المفعول المطلق هو المصدر ، فيجب أن يقال : إنّ في تفسيرهم المفعول المطلق تسمّحا أو اصطلاحا ، وإنّ المفعول هو الذي نشأ عن الفاعل ، فتارة يكون هو الفعل خاصة ، وهو المصدر ؛ وتارة يكون زائدا عليه كهذا المثال . ويحتمل أن يقال إنّ كثيرا من النحاة معتزلة وعند المعتزلة المعدوم شيء ، بمعنى أنّه ذات متقرّرة في العدم فلا تأثير للفاعل في ذاته ، وإبرازه للوجود معنى واقع عليه كالضرب على المضروب . ومنهم من أطلق ذلك عن عمد واعتزال ، ومنهم من قاله تقليدا ، وهكذا الكلام في : « أوجد اللّه العالم » ، ونحوه من الألفاظ الدالة على إنشاء الذّوات . وهذا الذي قلناه كله على الاصطلاح المشهور عند متأخّري النّحاة ؛ وأما سيبويه رحمه اللّه - وهو إمام الصنعة - فأطلق على المفعول به أنه مفعول ولم أر في كلامه « مفعول به » ، فإنه قال : « باب الفاعل الذي لم يتعدّه فعله إلى مفعول » « 1 » و « باب الفاعل الذي يتعدّاة فعله إلى مفعول » « 2 » . وذكر في الأول :
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 67 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 68 ) .